اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

143

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

بأوروبا ، فأسطورة القديس براندان St . Brandan التي ترجع إلى أوائل القرن الحادي عشر 193 مدينة بالكثير في بعض مواضعها لهذه القصص 194 ، كما يجب ألا ننسى أيضا تأثير الرحلات البحرية على الأساطير الأخروية ( eschatological ) للمسيحية الأوروبية 195 . وكما رأينا فإن القصص البحرية ترتبط ارتباطا وثيقا ببلاد الشرق كالهند والصين ، ولكن يمكن أن يضم إلى هذه الأقطار أيضا سواحل أفريقيا الشرقية خاصة بلاد الزنج المشهورة ، وهي تنطبق بوجه التقريب على زنزبار الحالية . ويشغل مكانا مرموقا في هذه السلسلة كتاب تم تأليفه بعد ذلك بقليل في حوالي عام 342 ه - 953 ، أعنى مجموعة « عجائب الهند » لبزرج بن شهريار وهو ربان من رامهرمز على الخليج الفارسي ؛ وليس لدينا أية معلومات عنه بخلاف ما تقدمه لنا قصصه نفسها ؛ ويجب ألا ينظر فيه إلى المؤلف بقدر ما ينظر فيه إلى القاصّ الرئيسي الذي دونت الحكايات من ألفاظه إذ يأخذ طرفا فيها قاصّون آخرون من الربابنة والنواخذة والتجار الذين ينتمون خاصة إلى الفترة 288 ه - 342 ه - 900 - 953 ؛ وبعض قصص هذه المجموعة ترجع إلى نهاية القرن العاشر وفقا لرأى فيران 196 . والكلام في هذه المجموعة لا يدور حول قصة واحدة متماسكة الأطراف كما هو الحال مع كتاب أبى زيد السيرافى ولكنه يتناول مجموعة من القصص المتفرقة - - التي تختلف طولا وقصرا فتتراوح بين عشر صفحات وبضعة أسطر ؛ كما تتميز مادتها أيضا بالتنوع فتارة يقابلنا وصف قصير لنبات أو سمك أو عجائب ، وطورا وصف لحادث في البر أو البحر قد يتحول إلى قصة مغامرات أو دراما أخلاقية معروضة بالكثير من المهارة الفنية . ويحس من هذا العرض العام للقصص أنها لشخص يتمتع بأسلوب حي سلس ويجيد الفن القصصى ويعرضه أحيانا بطريقة وجدانية مؤثرة ، ومن ثم فهي تمثل مصنفا أدبيا ممتازا لا يقل قيمة عن أفضل مواضع « أسفار السندباد » بل ويفوقها أحيانا . هذا وقد أصبح كتاب « عجائب الهند » في متناول الأيدي في طبعة فاخرة منذ الثمانينيات من القرن الماضي . لقد عاش نمط القصص البحرية في الأدب العربي قرونا طويلة ولكنه لم ينتج لنا آثارا ممتازة كالتي مر بنا الكلام عليها . أما مجموعة الحكايات المعروفة باسم « مائة ليلة وليلة » 197 فإنها لم تدون قبل النصف الثاني من القرن الرابع عشر ولكنها ربما عرفت منذ القرن العاشر 198 ؛ ورغما من أنه يثبت من قراءتها معرفتها « بألف ليلة وليلة » إلا أنها لا تعتمد عليها في مادتها 199 . وتوجد بهذه المجموعة حكاية عن جزيرة الكافور 200 تصف الرحلة البحرية إلى الصين ويرد فيها الكلام عن عاصمتها خمدان 201 ، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بحكاية ابن وهب 202 ؛ أما مصادرها فتنتظم مجالا عريضا يصل إلى كوزموغرافيا ابن الوردي في القرن الرابع عشر 203 . وسنرى كيف أن مسار هذا التطور للقصص البحرية على ممر القرون سيؤدى بنا في القرن الخامس عشر إلى مرشدات الملاحة للربابنة العرب المشهورين في المحيط الهندي الذين كان كان من بينهم ربان فاسكودى غاما .